فى القرآن ايات قليله جدا لعلها لا تتجاوز الأثنتين فيها ضمير المتكلم راجع الى النبى صلوات الله عليه لكنها لم تصَدر بهذا الأمر الكريم ( أقرأ) كمثلها من الآيات ، لكن شاءت رحمة الله وحكمته أن يحيطها بما يذود خاطر السوء عن قلب القارىء ذود اليقين مثل آية آخر سورة النمل ( إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذى حرمها وله كل شىء وأمرت أن أكون من المسلمين وأن أتلو القران فمن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فقل انما أنا من المنذرين ) ألا ترى الى كلمة قل فى آخر الآيه الثانيه كبف صححت موقف العقل من الآيتين جميعا وسدت عليه باب احتمال أن تكوت الأيتان من كلام النبى أدرجتا فى القران؟ إن لها وقعا بلاغيا عظيما ففرق بين الآيتين الكريمتين كما انزلتا وبينهما بحذف كلمة قل من ثانيتهما مع اثبات الفاء طبعا ، لكن هذا الفرق لا يبلغ مبلغه فى حالة الآيات الكريمه التى سبق الأستشهاد بها من آخر سورة سبأ فهناك من يتفكك الكلام ويذهب عنه كثير من الروعه وهنا لا يدرك تفككه وان ذهب عنه من الروعه والجلال ما ركز فى كلمة ( قل ) هذه . لكن بقطع النظر عن هذا لا تتغير الرساله الكريمه المودعه فى الآيتين بحذف كلمة قل من ثانيتهما وآنما ينفتح للشيطان باب الوسوسه الى الإنسان وأقل ما يوسوس به أن هذا كلام للنبى اندرج فى القران ليزلزل بذلك من القارىء المؤمن اعتقادة ان القران كلام الله كله ليس لمخلوق منه حرف نبى أو غير نبى وسيلجأ المؤمن طبعا إذ ذاك الى خاصة الإعجاز يدرأ بها الوسوسه عن نفسه ولكن كم من الناس من أوتى من البصر ما يستطيع به ادراك اعجاز الآيات ؟ سهل على الشيطان ان يشكك فى الأعجاز اللغوى لآيه أو آيتين لكن من الصعب حتى على الشيطان أن يطمس الدلاله العقليه لكلمة ( قل ) فى آخر الأية الثانيه ، إن الآيتين كلتيهما ليستا من كلام النبى وإنهما لا يمكن أن تكونا من كلام النبى بوجه من الوجوه
الحق أن وجود كلمة قل أو أنذر أو نبىء وأمثالها فى القران لا يمكن أن يستقيم فى عقل مع الفرض الذى يلبس به الشيطان على الملحدين والجاحدين أن القران من كلام محمد بن عبد الله . فكل منها كاف لزعزعة هذا الفرض فى نفس مفثرضه اذا اقترن بشىء من الأخلاص وكلها كاف لاقتلاعه من أساسه وإبطاله كل الإبطال عند طلاب الحق من مفكرى غير المؤمنين ، وتكون الخطوه التاليه لهم اذا تابعوا التفكير أن يتسائلوا من هو ذلك الذى وجه الى محمد هذا الأمر بالقول أو الإنذار أو الإنباء مادام قد وضح أن القران هو نص كلام ذلك الأمر ؟ إذ لا يمكن فى طبيعة التفاهم اللغوى الإنسانى أن يكون هو كلام محمد المأمور المشهود له بالأخلاص حتى عند هؤلاء
وقد سهل الله لمن يتجه هذا الإتجاه ويبلغ هذه المرحله من التسائل ان يصل الى الحق بالدلائل العقليه الآخرى التى أودعها الله سبحانه واضحه جليله فى القران ، ومن غير الممكن الآن أن يوضح ألا بابا منه ببعض الأمثال، خذ اليك الآيات الكريمه الآتيه ( قل لعبادى الذين آمنوا يقيموا الصلاه وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانيه من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا خلال) سورة ابراهيم
قل لعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ) سورة الزمر ( نبىء عبادى أنى أنا الغفور الرحيم ، وأن عذابى هو العذاب الأليم)سورة الحجر ( قل لو كان فى الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا)سورة الإسراء
فهذه آيات كريمه حوت هذا الأمر الكريم قل ونبىء ولكنها حوت أيضا ما يدل دلاله قاطعه أن الآمر لمحمد لا يمكن أن يكون أحد من الخلق لأن ضمير المتكلم فيها لا يمكن أن يكون راجعا الا الى رب العباد ورازقهم ورب الخلق أجمعين
ويلاحظ أن رجوع ضمير المتكلم الى الحق سبحانه لا يكفى وحده دليلا على قرانية الكلام فهناك أحاديث شريفه رواها ثقات المحدثين فيها ضمير المتكلم راجع الى الله سبحانه وسموها من أجل ذلك أحاديث قدسيه تمييزا لها ولكن لم يقل أحد إنها من القران ،خذ اليك منها
عن أنس رض الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ( قال الله يابن آدم إنك ما دعوتنى ورجوتنى غفرت لك ولا أبالى) رواه الترمذى
عن أبى هريره رضى الله عنه فال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( قال الله عز وجل كل عمل بن ادم له الا الصوم فإنه لى وأنا أجزى به ) الحديث ، رواه البخارى ومسلم
عن أبى ذر رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( يقول الله عز وجل يا بنى آدم كلم مذنب ألا من عافيت فاستغفرونى أغفر لكم وكلكم فقير إلا من أغنيت فاسألونى أعطكم وكلكم ضال إلا من هديت فاسألونى الهدى أهدكم ) رواه مسلم
فهذه أحاديث شريفه فيها ضمير المتكلم راجع الى الحق سبحانه وليست من القران والفرق بينها وبين الآيات الكريمه المستشهد بها أخيرا هو - بعد فرق الإعجاز _ صيغة الأمر ( قل ) فى الآيات ، وصيغة الخبر قال الله ويقول عز وجل فى الأحاديث
هذه دلاله لفظ واحد من ألفاظ القران على حقيقة القران ، والقران كله بعد ذلك ذلك دلائل على أنه من عند الله لا من عند أحد من خلقه ، ولقد يسر الله القران للذكر لو يذًكر الإنسان
نشر فى الثقافه بتاريخ 1943 لكاتبه ( محمد أحمد الغمراوى
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق